ساسي سالم الحاج
17
نقد الخطاب الاستشراقي
ومن هنا كان الاتصال بين الدين والدولة الإسلاميين « 1 » . وفي المدينة فرضت العبادات كالصلاة والصوم والزكاة التي تحددت بدقة بعد وفاته . وكما كانت القطيعة بينه وبين المسيحية قد حصلت في مكة من قبل فإنها قد تعززت هي الأخرى في مواجهة اليهودية ، وقد تبلور عنها الدعوة إلى دين إبراهيم « الحنيف » « المسلم » . هذه القطيعة التي دفع اليهود عنها ثمنا قاسيا « 2 » . أما المستشرق البريطاني « ماكدونالد » فقد استرعى الأنظار إلى حالة الجزيرة العربية السياسية ، والاقتصادية ، والقومية ، والروحية إبّان مولد الرسول . فالجزيرة العربية في ذلك الزمان لا تعاني من المشاكل الاقتصادية الخطيرة الناجمة عن زيادة السكان في هذا الإقليم المجدب فحسب ولكن تزايد الشعور القومي في مواجهة فارس وبيزنطة ، وقيام نهضة أدبية عربية خالصة ممثلة في الشعر والنثر ، ونمو روحي يقظ وقلق أثارته الديانة المسيحية قد شغل الأفكار ، وأصبحت البيئة العربية جاهزة لاستقبال الدين الجديد خاصة أن البيئة الدينية المكية لم تكن خالصة من هذه الإرهاصات ، فهؤلاء قوم بمكة أطلق عليهم الحنفاء ، وآخرون يعبدون الأصنام التي يرونها تقربهم إلى اللّه زلفى ، وهذه الملائكة التي يطلقون عليها بنات اللّه تلهم ذلك الاتصال وتعززه بين اللّه وعباده . فمفهوم الإلهام معروف في منطقة الشرق الأوسط المنتمية إلى الحضارة السامية . وقد عرفت هذه الحضارة النبوة التي تفتحت في بني إسرائيل ، ولكنها ليست مجهولة كذلك لدى العرب الذين يرونها تتمثل في بعض الشعراء الملهمين وبعض الخواص الذين يعقدون اتصالات لا مرئية مع العالم الآخر ، هذا الإلهام الذي يتجلى تارة في الشعر وتارة أخرى في الحكم والأمثال « 3 » . ففي هذه البيئة المضطربة التي حكم عليها بالجهل والسوء ، والظلم والاستغلال ، ولد محمد ، وقد رأى من واجبه مساعدة الفقراء والمعوزين ، وتأثّر بالزهاد المسيحيين من جهة ، وآثار الحضارات والمدن البائدة والمنقرضة من جهة أخرى . وقد قادته هذه
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 37 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 37 . ( 3 ) MACDONALD ; Aspects of Islam , 1911 , pp . 13 - 14 ; in WAARDENBURG , op . cit , p . 141 .